ابن قيم الجوزية

73

الروح

الروحين المتماثلتين المناسبتين في غاية التجاور والقرب ، ولو كان بينهما بعد المشرقين ، وتجد الروحين المتنافرتين المتباغضتين بينهما غاية البعد ، وإن كان جسداهما متجاورين متلاصقين . وليس نزول الروح وصعودها وقربها وبعدها من جنس ما للبدن ، فإنها تصعد إلى ما فوق السماوات ثم تهبط على الأرض ما بين قبضها ووضع الميت في قبره وهو زمن يسير لا يصعد البدن وينزل في مثله ، وكذلك صعودها وعودها إلى البدن في النوم واليقظة ، وقد مثلها بعضهم بالشمس وشعاعها ، فإنها في السماء وشعاعها في الأرض ، وقال شيخنا : وليس هذا مثلا مطابقا ، فإن نفس الشمس لا تنزل من السماء ، والشعاع الذي على الأرض ليس هو الشمس ولا صفتها ، بل هو عرض حصل بسبب الشمس والجرم المقابل لها ، والروح نفسها تصعد وتنزل ، وأما قول الصحابة للنبي صلى اللّه عليه وآله وسلم في قتلى بدر : كيف تخاطب أقواما قد جيفوا ؟ مع إخباره بسماعهم كلامه ، فلا ينفي ذلك رد أرواحهم إلى أجسادهم ذلك الوقت ردا يسمعون به خطابه والأجساد قد جيفت ، فالخطاب للأرواح المتعلقة بتلك الأجساد التي قد فسدت . وأما قوله تعالى : وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ « 1 » فسياق الآية يدل على أن المراد منها أن الكافر الميت القلب لا تقدر على إسماعه إسماعا ينتفع به « 2 » ، كما أن من في القبور لا تقدر على إسماعهم إسماعا ينتفعون به ، ولم يرد سبحانه أن أصحاب القبور لا يسمعون شيئا البتة ، كيف وقد أخبر النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أنهم يسمعون خفق نعال المشيعين « 3 » ، وأخبر أن قتلى بدر سمعوا كلامه وخطابه وشرع السلام عليهم بصيغة الخطاب للحاضر الذي يسمع ، وأخبر أن من سلم على أخيه المؤمن رد عليه السلام .

--> ( 1 ) سورة فاطر ، الآية 22 . ( 2 ) قال ابن الجوزي في تفسير هذه الآية الكريمة : أراد بمن في القبور الكفار وشبههم بالموتى ، أي فكما لا يقدر أن يسمع من في القبور كتاب اللّه وينتفعوا بمواعظه ، فكذلك من كان حيث القلب لا ينتفع بما يسمع . ( 3 ) أخرج أبو داود في كتاب الجنائز باب المشي في النعل بين القبور عن أنس عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال : « إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه إنه ليسمع قرع نعالهم » .